اسد حيدر

71

الإمام الصادق والمذاهب الأربعة

مضاجعهم ، وتبعث في قلوبهم الوجل من نشاطه العلمي إلى جانب ما لأهل بيته من النشاط السياسي ، ولهذا فقد كانوا يضعون الخطط التي يأملون فيها الوصول إلى غلق أبواب تلك المدرسة والقضاء على الإمام الصادق بكل وسيلة ، لأن الأنظار أصبحت متجهة إليه ، وكانت وفود رجال الأمة وطلاب العلم تتسابق إلى الحضور عنده ، والاستماع منه حتى كان ذكره حديث الركبان ، وكانت أندية العلم في العواصم الإسلامية تلهج بذكره ، وينتهي الاحتجاج في الاستشهاد بقوله . « والحقيقة ، أن مدرسة الإمام جعفر الصادق الفكرية قد أنجبت خيرة المفكرين ، وصفوة الفلاسفة وجهابذة العلماء ، وإذا كانت هناك حقيقة يجب أن تقال فهي : أن الحضارة الإسلامية والفكر العربي مدينان لهذه المدرسة الفكرية بالتطور والرقي والخلود ، ولعميدها الصادق بالمجد العلمي والتراث الثمين » . كما أنها وجهت الأمة إلى قواعد الاستنباط ونقد الحديث وبعثت على النشاط في مجال التأليف وتبويب الأحكام فكانت ملتقى العلماء ، ومجمعا لطلابه رغم تلك المحاولات التي تبذل في طريق شهرتها ، والوقوف أمام انتشار ذكرها . وأود بأن أسارع هنا فأشير إلى ما يأتي فيما بعد : بأن مدرسة الإمام الصادق عليه السّلام : كان طابعها التي طبعت عليه ومنهجها الذي اختصت به ، هو استقلالها الروحي ، وعدم خضوعها لنظام السلطة ، ولم تفسح المجال لولاة الأمر بأن يتدخلوا في شؤونها ، أو تكون لهم يد في توجيهها وتطبيق نظامها لذلك لم يتسن لذوي السلطة استخدامها في مصالحهم الخاصة ، أو تتعاون معهم في شؤون الدولة ، ومن المستحيل ذلك - وإن بذلوا جهدهم في تحقيقه - فهي لا تزال منذ نشأتها الأولى تحارب الظالمين ، ولا تركن إليهم كما لا ترتبط وإياهم بروابط الألفة ، ولم يحصل بينها وبينهم انسجام ، وبهذا النهج الذي سارت عليه ، والطابع الذي اختصت به أصبحت عرضة للخطر ، فكان النزاع بينها وبين الدولة يشتد والعداء يتضخم ، الأمر الذي جعل المدرسة عرضة للخطر . ورغم ذلك كله فقد صمدت لتلك الهجمات التي توجهها الدولة لتمحوها من صفحة الوجود ، وقد عانت من بطش الجبارين وعسف الظالمين ما لا يحيط به البيان . وعلى كل حال فإن مدرسة الإمام الصادق عليه السّلام كانت بعيدة عن التأثر بآراء